محمد غازي عرابي
725
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
جاء في الآية التاسعة قوله تعالى : إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 10 إلى 11 ] وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ( 10 ) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 11 ) [ النمل : 10 ، 11 ] قلنا العصا إشارة إلى القدرة ، فقبل الكشف يفعل الإنسان ما يفعل اعتقادا منه بملكيته لنفسه وحريته وإرادته وأنه يفعل ما يشاء مع خوفه اللّه ورجائه إياه . . . ولكن بعد الكشف يتبين للإنسان أن بضاعته الجسدية هي ملك المليك الأكبر ، وأن ليس للإنسان من أمره شيء ، ولقد شبهت العصا بالجان ، والجان ما استتر ، والإشارة إلى أن الفعل الإلهي مستتر في الفعل الإنساني وأنه هو وأنه حقيقته . والظلم دعوى الإنسان التملك بدآ من نفسه ، والتبديل حسنا بعد سوء رد العارية إلى صاحب العارية ، وكنا قد فصلنا الكلام في هذا في كتابينا الإنسان الكامل والإنسان الكبير ، فمن عرف الحقيقة عرف الحق ، ومن عرف الحق رد العارية إليه ، بهذا يكون اللّه قد غفر ورحم ، لأن الإنسان لا يرحم حتى يتوفى ، ولا يتوفى من غير أن يتوفاه اللّه ، ولا يتوفاه اللّه من غير كشف يريه أن اللّه قابض نفسه لأنه هو حقيقة نفسه . والتوفي العادي توفي جسماني ، لأن اللّه هو على الحقيقة يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ، كما ورد هذا في موضع آخر ، فاللّه القابض المتوفي في كل ساعة وثانية وفي كل حال وعلى أي حال . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 12 إلى 14 ] وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ( 12 ) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 13 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 14 ) [ النمل : 12 ، 14 ] الآيات التسع معروفات منذ زمن أرسطو ، ثم أوردها الفلاسفة الإسلاميون وأعلام الصوفية ، وسميت الآيات مقولات تسع تصبح عشرا لدى ظهورها في الإنسان وهي : جوهر ، كم ، كيف ، حركة ، إضافة ، زمان ، مكان ، وضع ، فعل وانفعال ، فعلى مستوى الجسم الكلي تصبح الصورة الإلهية كالتالي : يقوم العقل المطلق بفتق العالم منذ انفجار الذر السديمي القديم ، فإذا تعينت الأشياء قام العقل بعمله وحيا والوحي الصوت الخفي ، وكما قد أوردنا قول ابن سينا إن في كل متعين متعين ومطلق غير متعين فهذا المطلق غير المتعين هو الذي يلهم النفس تحقيقا للقصد ، والإنسان المحجوب متى فكر في تحقيق أمر تحركت أعضاؤه لتحقيق ما يريد ، حتى الخيال له دور في التحريك ، فإذا تمثل الإنسان شيئا انفعلت أعضاؤه كأن يتخيل